الشيخ محمد رشيد رضا

646

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

ويأكل أموال الناس بالباطل لأجل أولاده كما يفعل ذلك لكبائر شهواته ، فإذا قلت شهواته في الكبر فصار يكفيه القليل من المال يقوى في نفسه الحرص على شهوات أولاده ، وما يكفي الواحد لا يكفي الآحاد ، وفتنة الأموال قد تكون جزءا من فتنة الأولاد ، فتقديمها وتأخير فتنة الأولاد من باب الانتقال من الأدنى إلى الاعلى فالواجب على المؤمن اتقاء خطر الفتنة الأولى بكسب المال من الحلال ، وانفاقه في سبيل اللّه من البر والاحسان ، واتقاء الحرام من الكسب والانفاق ، واتقاء خطر الفتنة الثانية من جهة ما يتعلق منها بالمال وغيره مما يشير اليه الحديث ، وبما أوجب اللّه على الوالدين من حسن تربية الأولاد على الدين والفضائل ، وتجنيبهم أسباب المعاصي والرذائل ، قال اللّه تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ ناراً ) وقد عطف على هذا التحذير قوله وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ لتذكير المؤمنين بما يعينهم على ما يجب عليهم من اتقاء الفتنتين وهو إيثار ما عند اللّه عز وجل من الاجر العظيم لمن راعى أحكام دينه وشرعه في الأموال والأولاد ووقف عند حدوده وتفضيله على كل ما عساه يفوته في الدنيا من التمتع بهما ، لعلهم يتقون مثل هفوة أبي لبابة حين حذر أعداء اللّه ورسوله من فتح حصنهم والنزول على حكم سعد بن معاذ ، لما كان له من الاعتماد عليهم في حفظ ماله وولده ، على أن للمؤمن الصادق حسن قدوة بأبي لبابة في توبته النصوح ، إذا ألم به ضعف فوقع في مثل هفوته أو ما دونها من خيانة ، وأين مثل أبي لبابة رضي اللّه عنه في ذلك ؟ ونحن نرى كثيرا ممن يدعون الايمان يخونون اللّه ورسوله في انتهاك حرمات دينهم ، ويخونون أمتهم ودولتهم بثمن قليل أو كثير من المال يرجونه أو ينالونه من عدوهم ، - وقد يكون من مال أمتهم وغنائم وطنهم - أو خوفا على مالهم وولدهم من سلطانه قبل أن يستقر له السلطان ، وقد أسقطت الخيانة دولة كانت أعظم دول الأرض قوة وبأسا بارتكاب رجالها الرشوة من أهلها ومن الأجانب حتى مسخت فصارت دويلة صغيرة فقيرة ، ولكن الخلف المغرور لذلك السلف المخرب يدعون انما أسقطها تعاليم الاسلام القويمة ، لأنها صارت قديمة ، ولو أنهم أقاموا واجبا واحدا أو أدبا واحدا من آداب القرآن ، لكان كافيا لوقايتها من الزوال .